في الازمة السودانية: كل الرسائل لا تصل إلى الرئيس

د.عبدالوهاب الأفندي

في الثورات التي تفجرت في بلاد العرب طوال العام الماضي، وقبل ذلك في انتفاضة نيسان/أبريل في السودان عام 1985، كانت خطابات الرؤساء بمثابة الزيت الذي صب على نار الانتفاضات فزادها التهاباً. ولهذا كان الثوار على حق حين شكروا الرؤساء على مساهماتهم المقدرة في إذكاء نار الثورة بإظهارهم الفجوة الكبيرة التي تفصلهم عن الواقع من جهة، وعن الأمة وآمالها وآلامها من جهة أخرى. وكلنا تابع ويعرف آثار خطابات الرؤساء بن علي ومبارك والقذافي وابنه والأسد، حيث كانت من أهم العوامل التي قوت عزيمة الثوار على الثبات والاستمرار في المواجهة.

من هذا المنطلق، لا علم لي بمن زين للرئيس السوداني عمر حسن أحمد البشير الخروج على الشعب السوداني بتصريحاته التي أوردها في المقابلة التلفزيونية التي أجريت معه يوم السبت الماضي، وبثت على القنوات المملوكة للنظام في الداخل والخارج، فهي بالقطع لم تصب في مصلحة النظام، وقد هزت ما بقي من الثقة فيه. ففي المقابلة التي استمرت قرابة الساعتين، وجه الرئيس انتقادات لجنوب السودان ولأنصار الحزب في دارفور ومن الإسلاميين، كما قلل من معاناة ضحايا سد مروى، واستخف بمطالبهم وبالمعاناة التي ولدتها الازمة الاقتصادية الراهنة لغالبية السودانيين، وسفه الاحتجاج المتصاعد حول الفساد. Continue reading

في أزمة السودان وحكامه: هل تصلح المذكرات ما أفسد الحزب؟

د.عبدالوهاب الأفندي

ما يزال كاتب هذه السطور يحتفظ بالرقم القياسي في أطول مذكرة رفعت لقيادة نظام الإنقاذ في السودان، ممثلة في كتابنا ‘الثورة والإصلاح السياسي في السودان’ الصادر عام 1995 (قرابة مائتي صفحة).

ولكن مع ذلك، من الصعب ادعاء السبق في هذا المضمار، لأن هناك ‘مذكرات’ عدة رفعت إلى القيادة، بداية من عام 1990، معظمها شفاهية، تمثلت في طلب اجتماع بالقيادات والتعبير عن قلق حول التوجهات العامة للنظام. وقد جاءت قبل الكتاب وبعده عدة مذكرات مكتوبة، لعل أهم ما كان يميزها، وهي مسألة محورية سنعود لها، أنها كانت مذكرات من شخصيات ومجموعات قيادية في الحزب والدولة، بل إن واحدة من المذكرات كانت من جهاز الأمن!

ولا شك أن تقديم المذكرات، سواء من داخل الحزب أو خارجه، له دلالاته. فعندما يتداول قطاع كبير من العضوية في حزب معين في قضية معينة، ويفضي التداول إلى اتفاق حولها دون بقية الأعضاء، فهذا مؤشر خطير. وعندما يلخص هؤلاء الأعضاء ما توصلوا إليه في وثيقة تحدد ملامح هذا التوافق، فهذا مؤشر أخطر، خاصة إذا كان ما اتفق عليه مخالفاً لرأي قيادة الحزب، بل يشتمل على انتقاد واضح وصريح لهذه القيادة ومنهجها وخياراتها. Continue reading

‘الجزيرة’ تخفض التصنيف الائتماني للنظام السوداني

د.عبدالوهاب الأفندي

(1) ظلت الاتهامات تكال لقناة ‘الجزيرة’ بأنها المسؤولة عن تأجيج الثورات العربية. ويبدو أن ‘الجزيرة’ ليست وحدها في هذا المجال، حيث نجد أن تهمة ‘قنوات التحريض’ عند النظام السوري وشبيحته قد امتدت لتشمل معظم القنوات الفضائية، معا عدا التلفزيون السوري الرسمي وبضع قنوات أخرى مرتبطة بالنظام. وبالمقابل، تتهم المعارضة السودانية ‘الجزيرة’ بأنها تميل إلى جانب النظام أكثر، ولا تعطي تحركات المعارضة حقها.

(2)

يذكرنا هذا بالمشادات الأخيرة في فرنسا ودول أوروبية أخرى حول قرار هيئة تصنيف الائتمان ‘ستاندارد آند بوور’ خفض التصنيف الائتماني لفرنسا وعدة دول أوروبية، حيث استمعنا إلى نغمة مشابهة، بدءاً من الاحتجاج على القرار والدفع بأنه غير مبرر، والتساؤل عن السبب في ‘استهداف’ فرنسا، بدلاً من دول أخرى مثل بريطانيا، حيث الاقتصاد يمر بظروف أسوأ بحسب القادة الفرنسيين، وأخيراً التهوين من الأمر والاستخفاف به. فمن الذي يلقي بالاً إلى ترهات ‘هيئات التحريض’ ذات الأجندة الخفية التي تخدم ‘مصالح أجنبية’. (لا يمكن اتهام أمريكا هنا، لأن تصنيفها خفض قبل فرنسا!) Continue reading

رأي الشعب ورأي النظام ورأي الضحايا في السودان

د.عبدالوهاب الأفندي

(1) تستحق قيادات المؤتمر الشعبي المعارض في السودان التهنئة لأنها تعرف كيف تحتل صدارة الأنباء، وتضع الحكومة دائماً في موقف الدفاع، رغم محدودية موارد المؤتمر الشعبي وحظه من التأييد الجماهيري. وبسبب علاقة قيادات الشعبي بحكام السودان ومعرفتهم بدواخل كثير منهم، فإنهم يعرفون مواضع الألم التي تثير هؤلاء وتدفعهم إلى خطوات غير محسوبة. وليس أدل على ذلك من قيام أجهزة الأمن هذا الأسبوع بإغلاق صحيفة رأي الشعب التي يصدرها المؤتمر الشعبي واتهام الحزب بأنه يخطط لانقلاب عسكري، رغم أن قلة قرأت ما صدر في الصحيفة وما زال كثيرون لا يعرفون فحواه.

(2)

بالمقابل فإن اعتصام ضحايا سد مروي يدخل الآن أسبوعه الثامن في مدينة الدامر عاصمة ولاية نهر النيل، دون أن تظهر الحكومة أدنى اهتمام بمعاناة الآلاف ممن افترشوا الأرض في هذا البرد القارس، كما لم تظهر من قبل معاناة عشرات الآلاف من ورائهم ظلوا بلا مأوى ولا ما يسد الرمق لأعوام متتالية. ولكن نفس الحكومة ردت بعنف عندما تظاهر طلاب جامعيون في العاصمة تأييداً لمطالب المتضررين. Continue reading

رحيل خليل وأزمة السياسة السودانية

د.عبدالوهاب الأفندي

(1) الذي يتابع ردة فعل الحكومة السودانية وأنصارها من تهليل وابتهاج بمقتل زعيم حركة العدل والمساواة الدكتور خليل ابراهيم عليه رحمة الله- يكون معذوراً لو خيل له أن الرجل هو الذي كان يحكم السودان، وأن نظامه المستبد قد سقط وتهاوى. وبالفعل فإن أحد كبار المسؤولين استخدم تعبير ‘مصارع الطغاة’ وهو يشير إلى مقتل خليل. وهذا بالقطع سر غاب عنا، لأننا لم نكن نعلم أن خليلاً كان يحكم السودان من وراء ستار، ويغل يد الحكام الظاهرين عن فعل الخير وانصاف الخلق.

(2)

بنفس القدر فإن ما عبر عنه بعض المتعاطفين مع خليل من مشاعر جياشة (لم تخل من جزع) تجاه رحيله المفاجئ يكشف عن مدى الآمال التي علقها كثيرون على شخص خليل أولاً وعلى حركته ثانياً. ومن هنا جاء حجم الفجيعة والإحساس بالفقد. Continue reading

أزمة السد أم أزمة الحكم في السودان؟ د. عبدالوهاب الأفندي

د.عبدالوهاب الأفندي

(1) بعد أن خف التوتر بين مصر والسودان في مطلع القرن الجاري، قبلت الحكومة السودانية إعادة عقارات مملوكة لمصر كانت قد صادرتها إبان التوتر. ويروي بعض أهل العلم أن مسؤولاً مصرياً كبيراً وصل إلى الخرطوم للقاء الرئيس السوداني الذي أصدر توجيهات بتسليم العقارات المعنية وبعث المسؤول المصري في صحبة وزير سوداني لتنفيذ التوجيه. إلا أن الموظف المعني رفض تنفيذ الأمر. وعندما أبلغه الوزير بأن هذه التعليمات الرئيس أجاب الموظف: إن للرئيس اجتهاده ولي اجتهادي! فتساءل المسؤول المصري مستغرباً: هل تعليمات الرئيس عندكم هنا تخضع لاجتهادات كل موظف؟

(2)

في قضية أخرى تتعلق بمتضرري سد مروي من أهالي منطقة أمري، وقع حادث مماثل، حين لجأ المتضررون إلى رئاسة الجمهورية، التي استجابت لبعض مطالبهم المعقولة. ولكن عندما ذهب الأهالي مستبشرين لمقابلة المسؤول المباشر عن تنفيذ التوجيه الرئاسي كان رده: اذهبوا إلى الجهة التي اتفقتم معها لتنفذ لكم ما تطلبون، فأنا لم أعقد معكم أي اتفاق. Continue reading